الفيض الكاشاني
32
الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )
ولا يتمّ هذا الدليل إلّا ببيان مقدّمتين : إحديهما : أنّه لا دليل عليه شرعاً بأن يضبط طرق الاستدلالات الشرعيّة ويبيّن عدم دلالتها عليه . والثانية : أن يبيّن أنّه لو كان هذا الحكم ثابتاً لدلّت عليه إحدي تلك الدلائل ، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلي العلم به ، وهو تكليف بما لا يطاق ؛ ولو كان عليه دلالة غير تلك الأدلّة لما كانت أدلّة الشرع منحصرة فيها ، لكن بيّنّا انحصار الأحكام في تلك الطرق ، وعند هذا يتمّ كون ذلك دليلًا علي نفى الحكم » ( « 1 » ) . انتهي كلامه . وأقول : هذا إنّما يصحّ إذا أريد بنفي الحكم نفيه بالنسبة إلينا ، أي عدم كوننا مكلّفين به مع عدم العلم لامتناع تكليف ما لا يطاق ؛ وأمّا إذا أريد به نفيه في الواقع فهو غير صحيح ، لجواز أن يكون الحكم ثابتاً في الواقع وإن لم يصل إلينا ، ولا نكون مكلّفين به حتّي يصل إلينا ، كما ورد في الأخبار : « إنّ الناس في سعة ممّا لا يعلمون حتّي يعلموا » ( « 2 » ) . فالتحقيق : إنّ التمسّك بأصالة البراءة إنّما يصحّ في العمليّات المحضة دون العلميّات ، أعنى لا يجوز لنا الإفتاء والحكم بتّةً بنفي الحكم في الواقع بمجرّد أصالة البراءة وإن
--> ( 1 ) . معارج الأصول : 212 . ( 2 ) . قال رسول الله : « النَّاسُ فِى سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا » ؛ راجع : عوالي اللئالي : 1 / 424 ؛ مستدرك الوسائل : 18 / 20 ، ح 21886 ؛ وكذا وردت عن أمير المؤمنين بنصّ آخر ، راجع : الكافي : 6 / 297 ، كتاب الأطعمة ، باب نوادر ، ح 2 .